حسن ابراهيم حسن
545
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
الذي راعى هذا في كتاب « العبارة » وفي كتاب « الخطابة » إذ كان يضع نصب عينيه هذا العنصر المشترك بين لغات الخلق جميعا . يرى ابن رشد أن الحقيقة قد تضمنتها آراء أرسطو . ومن هنا ننظر إلى علم الكلام عند المسلمين نظرة عابرة . نعم إن ابن رشد يؤمن بالإسلام على أنه حقيقة من نوع خاص « 1 » . ومع إيمان ابن رشد بالإسلام فإنه لا يؤمن بعلم الكلام . لأن هذا العلم يهدف إلى إثبات أشياء يعتذر إثباتها بمناهج أرسطو التي تقوم على المنطق ، « ويذهب ابن رشد إلى ما ذهب إليه إسييوزا من أن الوحي الذي جاء به القرآن لا يرمى إلى إعطاه الناس علما ، وإنما يرمى إلى إصلاحهم ، وليس غرض الشارع في رأيه تلقين العلم ، بل غرضه أخذ الناس بالطاعة ، وبالأعمال الصالحة ، لأن الشارع يعلم السعادة الإنسانية لا تتحقق إلا في مجتمع » « 2 » . وأظهر ما يميز ابن رشد عن فلاسفة الإسلام ولا سيما ابن سينا ، هو كيفية تصوره للعالم على أنه عملية تغيّر وحدوث منذ الأزل . والعالم في جملته وحدة أزلية ضرورية لا يجوز عليها العدم ، ولا يمكن أن يقوم على ما هو عليه . وإذا كان التغير داخل نظام الكون أزليا فإنه يستلزم حركة أزلية ، وهذه تحتاج إلى محرك أزلي . ولو كان العالم حادثا لتحتم علينا القول بوجود عالم آخر حادث نشأ منه ، وهكذا إلى غير نهاية . ولذلك يذهب ابن رشد إلى أن القول بأن العالم كله متحرك منذ الأزل ضرورة ، هو وحده الذي يضمن لنا إمكان الوصول إلى إثبات موجود مفارق للعالم محرك له منذ الأزل . وهذا الموجود بإيجاده تلك الحركة الدائمة وبإيجاده لنظام العالم البديع خليق بأن يسمى موجد العالم . وكذلك يرى ابن رشد أن ماهية المحرك الأول أي الإله وماهية عقول الأفلاك هي أنها فكر تتجلى فيه الوحدة العقلية الوجودية . والموجودات العقلية ( أي الأفكار ) تتجلى فيها الوحدة أو كمال الوجود ، وكل العقول تعقل ذاتها ولكنّ في معرفتها بذاتها صلتها بالعلة الأولى . وابن رشد يجزم بأن تعلق النفس الإنسانية بجسدها كتعلق الصورة بالهيولى . فهو يقول بهذا جادا غاية الجد ، وهو يرفض
--> ( 1 ) يقصد أن الدين قائم على الغيب وليس على المنطق في أغلب الأعيان . وهو يؤمن بغيبيات الدين . وهذا هو معنى قوله إن الدين حقيقة من نوع خاص . ( 2 ) دى بور : تاريخ الفلسفة في الإسلام ص 389 .